عيد الاستماع إلى محادثة للمرة العاشرة. تكتب نصًا، ثم تحذفه، ثم تعيد كتابته، ولا يزال القلق يساورك. تسهر الليل تُفكّر في اجتماع الغد الذي لم يُعقد بعد. إذا كان هذا مألوفًا لديك، فأنت لستَ مُصابًا بمشكلة، ولستَ وحدك. التفكير المُفرط من أكثر العادات الذهنية شيوعًا، والخبر السار هو أنه مجرد عادة. يُمكن تغيير العادات. دعونا نستعرض ماهية التفكير المُفرط وكيفية التخلص منه تدريجيًا.
ما هو التفكير المفرط في الواقع
التفكير المفرط هو تفكير متكرر ومستمر، يبدو مثمرًا لكنه نادرًا ما يُفضي إلى نتيجة مفيدة. يُطلق عليه علماء النفس اسم الاجترار عندما يُركز على الماضي، والقلق عندما يُسقط على المستقبل. يشترك كلاهما في خيط مشترك: يخلط دماغك بين النشاط الذهني وحل المشكلات. تشعر بالانشغال، فتفترض أنك تُحرز تقدمًا، لكن الحلقة المفرغة تزداد اشتعالًا.
يكمن الفرق الأساسي بين التفكير والتفكير المفرط. فالتفكير السليم يقود إلى قرار أو إدراك. أما التفكير المفرط فيدور في حلقة مفرغة، مضيفًا القلق مع كل دورة. وإدراك هذا الفرق هو الخطوة الأولى نحو التحرر.
يحتوي دماغك على شبكة تنشط عندما لا تركز على العالم الخارجي، وتُعرف غالبًا بشبكة الوضع الافتراضي. وهي مركز التأمل الذاتي وشرود الذهن. لدى الأشخاص الذين يُفرطون في التفكير، قد تُصبح هذه الشبكة في حالة فرط نشاط، مما يُغذي هذه الحلقة المفرغة. في الوقت نفسه، تستمر اللوزة الدماغية، وهي نظام الإنذار في دماغك، في العمل كما لو أن المشكلة المُتخيلة تُشكل تهديدًا حقيقيًا، مما يُؤدي إلى إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر في جسمك.
إليك الجزء المطمئن: في كل مرة تقاطع فيها الحلقة وتُعيد توجيه انتباهك، تُضعف المسار القديم وتُقوّي مسارًا أكثر هدوءًا. هذه هي المرونة العصبية في أبهى صورها. أنت تُدرّب دماغك حرفيًا، خطوةً بخطوة.
تقنية خطوة بخطوة لكسر الحلقة المفرغة
عندما تجد نفسك في دوامة من الأفكار السلبية، جرب هذه الخطوات. تستغرق حوالي خمس دقائق وتعمل في أي مكان تقريباً.
- سمِّها. قل في سرّك: “أنا أفرط في التفكير الآن”. إن تسمية الحالة تخلق مسافة ضئيلة بينك وبين الفكرة.
- ثبّت جسدك. انغمس في حواسك. تقنيات التأريض مثل طريقة 5-4-3-2-1 تُخرجك من دوامة أفكارك وتُدخلك في اللحظة الحاضرة.
- تنفس بوعي. التنفس البطيء والمنتظم يُشعر جهازك العصبي بأن الخطر قد زال. تمرين التنفس المربع فعال للغاية في هذه الحالة.
- اطرح سؤالاً أكثر دقة. استبدل سؤال “ماذا لو ساءت الأمور؟” بسؤال “ما هو الشيء الصغير الذي يمكنني فعله في الساعة القادمة؟” الأسئلة العملية تكسر الحلقة المفرغة.
- حدد لنفسك فترة زمنية للتفكير في الأمر. قل لنفسك إنك ستفكر في الموضوع الساعة السادسة مساءً لمدة خمس عشرة دقيقة. معظم المخاوف تفقد إلحاحها قبل حلول الموعد.
متى يُستخدم؟
استخدم هذه الأدوات فور شعورك بالتوتر المألوف: الذكريات المتكررة، والتساؤلات المتسارعة، وعدم القدرة على الاستقرار. وقت النوم عادةً ما يكون محفزًا، لذا فإن الاحتفاظ بمفكرة بجانب السرير لتفريغ أفكارك قد يجنبك ليلة بلا نوم. اتخاذ القرارات أيضًا نقطة ضعف، إذ غالبًا ما يخلط من يفرطون في التفكير بين كثرة التحليل وخيارات أفضل، بينما في الواقع تُظهر البيانات تناقص العائد بعد حد معين.
إذا كان التفكير المفرط لديك مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمشاعر القلق، فإن الجمع بين هذه الأساليب وتمارين جسدية لعلاج القلق قد يساعد في تخفيف التوتر الجسدي الذي يغذي هذه الحلقة المفرغة من الأفكار. كما أن الممارسات التي تعزز الوعي باللحظة الحاضرة، مثل تعلم كيفية التواجد بشكل أكبر في اللحظة الراهنة ، تعالج جذور هذه العادة مع مرور الوقت.
كم من الوقت سيستغرق حتى يبدأ مفعوله؟
ستشعر على الأرجح براحة فورية من تقنيات التأمل اللحظي، وأحيانًا خلال جلسة تنفس واحدة. أما إعادة برمجة العقل بشكل أعمق، حيث يتوقف التفكير المفرط عن كونه نمطك التلقائي، فتستغرق عادةً عدة أسابيع من الممارسة المنتظمة. تشير الأبحاث حول مناهج اليقظة الذهنية إلى حدوث تحولات جوهرية في الاجترار الفكري خلال أربعة إلى ثمانية أسابيع من الممارسة المنتظمة. تحلَّ بالصبر واللطف مع نفسك؛ فأنت بصدد تغيير نمط ربما استغرق سنوات ليتشكل.
تحذير بسيط: محاولة التوقف عن التفكير المفرط بالتفكير المفرط في كيفية التوقف عنه هي فخ بحد ذاتها. الهدف ليس الوصول إلى ذهن هادئ تمامًا، بل ذهن يستطيع، عندما يقع في دوامة التفكير، أن يعود إلى رشده بسرعة أكبر وبأقل قدر من التوتر.
